قضيتُ أسبوعين من الشتاء الماضي أتجوّل في أحياء بيروت، حيث تتطابق خطوط الأفق الجديدة مع وعود المطوّعين. في الحمرا، هُدم مبنى عمره قرن ليُستبدل ببرج زجاجي يعكس سماء لم تعد صافية. وفي الأشرفية، لا تزال جدران المباني القديمة تحمل آثار الصراع كندوب لم تُجرَ على شفائها. السؤال الذي يلحّ عليّ ليس كيف نعيد بناء المدينة، بل أيّ مدينة نريد أن نعيد.
ما لم تقله خطط الإعمار
تعتمد خطط إعادة الإعمار على مقاربة هندسية بحتة: مساحات مترية، نسب استثمار، عوائد مالية. لكن هذه الأرقام لا تلتقط صوت البائع المتجول في سوق الطويلة، ولا رائحة الزهور في حيّ الباشورة. زرتُ مبنى بلدية بيروت في كانون الأول، وسألتُ أحد الموظفين عن مشاركة الأهالي في التخطيط. نظر إليّ بدهشة، كأنّ السؤال نفسه غريب عن المعادلة.
المدينة ليست مجموعة من المباني، بل الحكايات التي يرويها سكّانها فوق أرصفتها.
في تقرير لجنة الإعمار السنوي الذي صدر مؤخراً، وردت كلمة «مجتمع» ثلاث مرات فقط، بينما تكرّرت كلمة «عائد مالي» أكثر من مئة مرة. هذا ليس تقصيراً إدارياً فحسب — إنه انعكاس لفلسفة ترى المدينة مشروعاً ربحياً لا مساحة حيّة يتنفّس فيها الإنسان.